الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
287
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المناسبة . والمخصوص بالمدح محذوف لتقدّم دليله . و الْوَكِيلُ فعيل بمعنى مفعول أي موكول إليه . يقال : وكل حاجته إلى فلان إذا اعتمد عليه في قضائها وفوّض إليه تحصيلها ، ويقال للذي لا يستطيع القيام بشئونه بنفسه : رجل وكل - بفتحتين - أي كثير الاعتماد على غيره ، فالوكيل هو القائم بشأن من وكّله ، وهذا القيام بشأن الموكّل يختلف باختلاف الأحوال الموكّل فيها ، وبذلك الاختلاف يختلف معنى الوكيل ، فإن كان القيام في دفع العداء والجور فالوكيل الناصر والمدافع قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [ الأنعام : 66 ] ، ومنه فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [ النساء : 109 ] . ومنه الوكيل في الخصومة ، وإن كان في شؤون الحياة فالوكيل الكافل والكافي منه : أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [ الإسراء : 2 ] كما قال : قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [ النحل : 91 ] ولذلك كان من أسمائه تعالى : الوكيل ، وقوله : وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ومنه الوكيل على المال ، ولذلك أطلق على هذا المعنى أيضا اسم الكفيل في قوله تعالى : وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا . وقد حمل الزمخشري الوكيل على ما يشمل هذا عند قوله تعالى : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ في سورة الأنعام [ 102 ] ، فقال : وهو مالك لكلّ شيء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال . وذلك يدل على أنّ الوكيل اسم جامع للرقيب والحافظ في الأمور التي يعني الناس بحفظها ورقابتها وادّخارها ، ولذلك يتقيّد ويتعمّم بحسب المقامات . وقوله : فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تعقيب للإخبار عن ثبات إيمانهم وقولهم : حسبنا اللّه ونعم الوكيل ، وهو تعقيب لمحذوف يدلّ عليه فعل فَانْقَلَبُوا ، لأنّ الانقلاب يقتضي أنّهم خرجوا للقاء العدوّ الذي بلغ عنهم أنّهم جمعوا لهم ولم يعبئوا بتخويف الشيطان ، والتقدير : فخرجوا فانقلبوا بنعمة من اللّه . والباء للملابسة أي ملابسين لنعمة وفضل من اللّه . فالنعمة هي ما أخذوه من الأموال ، والفضل فضل الجهاد . ومعنى لم يمسسهم سوء لم يلاقوا حربا مع المشركين . وجملة إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ إمّا استئناف بياني إن جعلت قوله : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ بدلا أو صفة كما تقدّم ، وإمّا خبر عن الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إن جعلت قوله : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ مبتدأ ، والتقدير : الذين قال لهم الناس إلى آخره إنّما مقالهم يخوّف الشيطان به . ورابط هذه الجملة بالمبتدإ ، وهو « الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ » على هذا التقدير ، هو اسم الإشارة ، واسم الإشارة مبتدأ .